محمد جواد مغنية

139

في ظلال نهج البلاغة

يعود للأمر في قوله : « فالزموا كل أمر » . وضمير « عنهم وعليهم ومعهم وحبلهم » يعود للأمة العزيزة في كيانها ومكانتها ، والمعنى عليكم أن تأخذوا درسا نافعا من تاريخ الأمم ، وتسلكوا كل طريق جعل منها أمة قوية ترهبها الأعداء ، وغنية فيما تملكه من طاقة وثراء ، وتبتعدوا عن طريق الضعف والتخلف ، وليس من شك ان وحدة الصفوف عامل من عوامل القوة والرقي ، فالزموا الألفة ، واجتنبوا الفرقة ، وحثوا عليها ، وتواصوا بها ( واجتنبوا كل أمر كسير إلخ ) . . ما لكم وللضغينة والشحناء انها وهن للقوة ، ومنافرة للقلوب ، وشلّ للأيدي وتحطيم للسيوف . ( وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم إلخ ) . . المراد بالمؤمنين هنا المستضعفون ، وبالفراعنة الجبابرة الطغاة ، والمراد بالصبر على الأذى في محبة اللَّه - الإخلاص والثبات على الحق ، والمعنى كان فيما مضى مجموعة من المجانين يقول بعضهم : أنا اللَّه ، انا ربكم الأعلى ، وآخر يقول : لست إلها ، ولكني مرسوم من قبل اللَّه ، وكلّ من هذا وذاك يطارد الضعفاء وينكل بهم ، وهم لا يملكون حولا ولا قوة إلا الهداية وتحابب القلوب وثباتها على الإخلاص والإيمان ، ولمّا علم اللَّه فيهم خيرا جعل لهم فتحا ومخرجا ، ومنّ عليهم بالكرامة والسلطان ، والأمن والاستقرار ، وبالعلم ومعرفة الحقائق ، فعاشوا حياة ما كانوا يحلمون بها من قبل . ( فانظر كيف كانوا حيث كانت إلخ ) . . الجمل في هذه الأسطر مختلفة المبنى متحدة المعنى ، والقصد منها التأكيد على أنه لا حياة لقوم إلا بوحدة الكلمة ، وانه متى تحققت هذه الوحدة والألفة اتجهت الجهود والعقول كلها إلى العمل لحياة أفضل ، وانه لا شيء وراء الشتات إلا المذلة والهوان ، والشاهد على ذلك العيان ووقائع التاريخ . وبالمناسبة قالت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية : ان في الشرق الأوسط فراغا يجب أن يملأ ، وقالت الصهيونية : ان فلسطين يجب أن تكون وطنا قوميا لليهود على الرغم من أنوف العرب وإرادة الشعوب العربية وملأت أمريكا الفراغ بدولة إسرائيل . . ولولا انقسام العرب بعضهم على بعض ما كان للفراغ والاستعمار والصهيونية عين ولا أثر .